الطريقة السعدية في بلاد الشام

أهلا وسهلا بك في منتدى الطريقة السعدية
الطريقة السعدية في بلاد الشام

موقع يجمع أبناء الطريقة السعدية في بلاد الشام


    قواعد التصوف - سيدي أحمد زروق

    شاطر
    avatar
    الشريف محمد عطايا السعدي
    .
    .

    عدد المساهمات : 150
    تاريخ التسجيل : 19/02/2011
    العمر : 36

    قواعد التصوف - سيدي أحمد زروق

    مُساهمة  الشريف محمد عطايا السعدي في الأحد مايو 29, 2011 4:50 pm

    كتاب قواعد التصوف

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله كما يجب لعظيم مجده وجلاله، والصلاة والتسليم على سيدنا محمد وآله.
    وبعد فالقصد بهذا المختصر وفصوله، تمهيد قواعد التصوف وأصوله، على وجه يجمع بين الشريعة والحقيقة، ويصل الأصول والفقه بالطريقة، وعلى الله أعتمد في تسيير ما أردت، وإليه أستند في تحقيق ما قصدت، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثمّ أقول:

    قاعدة 1
    الكلام في الشيء فرع تصور ماهيته وفائدته بشعور ذهني مكتسب أو بديهي، ليرجع إليه في أفراد ما وقع عليه ردّا وقبولا وتأصيلا وتفصيلا، فلزم تقديم ذلك على الخوض فيه إعلاما به وتحضيضا عليه، وإيماء لمادته فافهم.

    قاعدة 2
    ماهية الشيء حقيقته، وحقيقته ما دلت عليه جملته، وتعريف ذلك بحد، وهو أجمع، أو رسم وهو أوضح، أو تفسير وهو أتمّ لبيانه وسرعة فهمه. وقد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنّما وجه فيه، والله أعلم.

    قاعدة 3
    الاختلاف في الحقيقة الواحدة إن كثر دلّ على بعد إدراك جملتها، ثمّ هو إن رجع لأصل واحد يتضمن جملة ما قيل فيها كانت العبارة عنه بحسب ما فهم منه، وجملة الأقوال واقعة على تفاصيله واعتبار كلّ واحد على حسب مناله منه، علما أو عملا أو حالا أو ذوقا أو غير ذلك، والاختلاف في التصوف من ذلك فمن ثمّ ألحق الحافظ أبو نعيم رحمه الله بغالب أهل حليته عند تحليته كلّ شخص قولا من أقواله يناسب حاله قائلا وقيل إنّ التصوف كذا، فأشعر أن من له نصيب من صدق التوجه له نصيب من التصوف، وأن تصوف كلّ أحد صدق توجهه، فافهم.

    قاعدة 4
    صدق التوجه مشروط بكونه من حيث يرضه الحق تعالى، وبما يرضاه ولا يصح، مشروط بدون شرطه. {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ} فلزم تحقيق الإيمان {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} فلزم العمل بالإسلام فلا تصوف إلا بفقه، إذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إلا منه، ولا فقه إلا بتصوف، إذ لا عمل إلا بصدق وتوجه، ولا هما إلا بإيمان، إذ لا يصح واحد منهما دونه، فلزم الجمع لتلازمهما في الحكم، كتلازم الأرواح للأجساد، ولا وجود لها إلاّ فيها كما لا حياة لها إلا بها فافهم، ومنه قول مالك رحمه الله:«من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق».
    قلت تزندق الأول لأنّه قال بالجبر الموجب لنفي الحكمة والأحكام، وتفسق الثاني لخلو عمله من التوجه الحاجب منهما عن معصية الله، ومن الإخلاص المشترط في العمل لله، وتحقق الثالث لقيامه بالحقيقة في عين التمسك بالحق، فاعرف ذلك.

    قاعدة 5
    إسناد الشيء لأصله والقيام فيه بدليله الخاص به يدفع قول المنكر لحقيقته، وأصل التصوف مقام الإحسان، الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بأن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك". لأنّ معاني صدق التوجه لهذا الأصل راجعة وعليه دائرة، إذ لفظه دال على طلب المراقبة الملزومة به فكان الحض عليها حضا على عينه، كما دار الفقه على مقام الإسلام والأصول عل مقام الإيمان. فالتصوف أحد أجزاء الدين الذي علمه عليه السلام جبريل ليتعلمه الصحابة رضي الله عنهم.

    قاعدة 6
    الاصطلاح للشيء مما يدل على معناه ويشعر بحقيقته ويناسب موضوعه ويعيّن مدلوله من غير لبس ولا إخلال بقاعدة شرعية ولا عرفية، ولا رفع موضوع أصلي ولا غرفي ولا معارضة فرع حكمي ولا مناقضة وجه حكمي مع إعراب لفظه وتحقيق ضبطه لا وجه لإنكاره. واسم التصوف من ذلك لأنه عربي مفهوم تام التركيب غير موهم ولا ملتبس ولا مبهم، بل اشتقاقه مشعر بمعناه كالفقه لأحكام الإيمان وتحقيق المعنى، فاللازم فيها لازم فيه لاستوائهما في الأصل والنقل.

    قاعدة 7
    الاشتقاق قاض بملاحظة معنى المشتق والمشتق منه، فمدلول المشتق مستشعر من لفظه، فإن تعدد الشعور، ثمّ أمكن الجمع فمن الجميع ولإلا فكل يلاحظ معنى فافهم، وإن سلم عن معارض في الأصل. وقد كثرت الأقوال في اشتقاق التصوف وأمسّ ذلك بالحقيقة خمسة:

    الأول: قول من قال من الصوفة لأنه مع الله كالصوفة المطروحة لا تدبير له.

    الثاني: أنه من صوفة القفا للينها فالصوفي هين لين كهي.

    الثالث: أنه من الصفة إذ جملته اتصاف بالمحاسن وترك الأوصاف المذمومة.

    الرابع: أنه من الصفاء وصحح هذا القول حتى قال أبو الفتح البستي رحمه الله:
    تنازع الناس في الصوفي واختلفوا وظنه البعض مشتقا من الصوف
    ولست أمنح هذا الاسم غير فتى صفا فصوفي حتى سمي صوفـي

    الخامس: أنه منقول من الصفة لأنّ صاحبه تابع لأهلها فيما أثبت الله لهم من الوصف حيث قال:«يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ». وهذا هو الأصل الذي يرجع إليه كلّ قول فيه، والله أعلم.

    قاعدة 8
    حكم التابع كحكم المتبوع فيما تبعه فيه وإن كان المتبوع أفضل، وقد كان أهل الصفة فقراء في أول أمرهم حتى كانوا يعرفون بأضياف الله. ثمّ كان منهم الغني والأمير والمتسبب والفقير لكنهم شكروا عليها حين وجدت، كما صبروا عليها حين فقدت، فلم يخرجهم الوجدان عما وصفهم مولاهم به من أنهم يدعونه بالغداة والعشي يريدون وجهه، كما أنهم لم يمدحوا بالفقدان، بل بإرادة وجه الملك الديان وذلك غير مقيد بفقر ولا غنى وبحسبه فلا يختص التصوف بفقر ولا غنى إذا كان صاحبه يريد وجه الله، فافهم.

    قاعدة 9
    اختلاف النسب قد يكون لاختلاف الحقائق، وقد يكون لاختلاف المراتب في الحقيقة الواحدة، فقيل إنّ التصوف والفقر والملامة والتقريب من الول، وقيل من الثاني وهو الصحيح، على أن الصوفي هو العامل في تصفية وقته عما سوى الحق، فإذا سقط ما سوى الحق من يده فهو الفقير. والملامتي منها هو الذي لا يظهر خيرا ولا يضمر شرا، كأصحاب الحرف والأسباب ونحوهم من أهل الطريق، والمقرب من كملت أحواله، فكان بربه لربه ليس له سوى الحق إخبار، ولا مع غير الله قرار، فافهم.

    قاعدة 10
    لا يلزم من اختلاف المسالك اختلاف المقصد، بل قد يكون متحدا مع اختلاف مسالكه كالعبادة والزهادة، والمعرفة مسالك لقرب الحق على سبيل الكرامة، وكلها متداخلة، فلا بد للعارف من عبادة، وإلا فلا عبرة بمعرفته إذ لم يعد معروفه، ولا بد لها من زهادة، وإلا فلا حقيقة عنده، إذ لم يعرض عمن سواه. ولا بد للعابد منهما، إذ لا عبادة إلا بمعرفة، ولا فراغ للعبادة إلا بزهد، والزهد كذلك إذ لا زهد إلا بمعرفة، ولا زهد إلا بعبادة، وإلا عاد بطالة. نعم من غلب عليه العمل فعابد، أو الترك فزاهد. أو النظر لتصريف الحق فعارف. والكلّ صوفية، والله أعلم.

    قاعدة 11
    لكلّ شيء أهل ووجه ومحل وحقيقة وأهلية التصوف لذي توجه صادق، أو عارف محقق، أو محب مصدق، أو طالب منصف، أو عالم تقيده الحقائق أو فقيه تقيده الاتساعات، لا متحامل بالجهل، أو مستظهر بالدعوى، أو مجازف يف النظر، أو عامي غبي، أو طالب معرض، أو مصمم على تقليد، أو كابر من عرف في الجملة، والله أعلم.

    قاعدة 12
    شرف الشيء إما أن يكون بذاته، فيتجرد طلبه لذاته، وإمّا أن يكون لمنفعته، فيطلب من حيث يتوصل منه إليها به، وإما أن يكون لمتعلقه فيكون الفائدة في الوصلة بمتعلقه، فمن ثمّ قيل «علم بلا عمل وسيلة بلا غاية، وعمل بلا علم جناية»، والعقل أفضل من علم به، والعلم به تعالى أفضل العلوم لأنّه أجلّ العلوم. وعلم يراد لذاته أفضل لكون خاصيته في ذاته، كعلم الهيبة والأنس ونحو ذلك، فمن لم يظهر له نتيجة علمه في عمله فعلمه عليه لا له. وربما شهد بخروجه منه إن كان علمه مشروطا بعمله ولو في باب كماله، فافهم وتأمّل ذلك.

    قاعدة 13

    فائدة الشيء ما قصد له وجوده، وفائدته حقيقته في ابتدائه أو انتهائه أو فيهما، كالتصوف علم قصد لإصلاح القلوب وإفرادها لله عما سوله، وكالفقه لإصلاح العمل وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام، كالأصول لتحقيق المقدمات بالبرهان، وتحلية الإيمان بالإيقان، وكالطب لحفظ الأبدان، وكالنحو لإصلاح اللسان، إلى غير ذلك فافهم.

    قاعدة 14

    العلم بفائدة الشيء ونتيجته باعث على التهمم به، والأخذ في طلبه لتعلق النفس بما يفيدها إن وافقها، وإلا فعلى العكس، وقد صح أن شرف الشيء بشرف متعلقه، ولا أشرف من متعلق علم التصوف، لأن مبدأه خشية الله التي هي نتيجة معرفته ومقدمة إتباع أمره، وغايته إفراد القلب له تعالى، فلذلك قال الجنيد رضي الله عنه :«لو علمت أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا لسعيت إليه».انتهى، وهو واضح.

    قاعدة 15

    أهلية الشيء تقضي بلزوم بذله لمن تأهل له، إذ يقدره حق قدره ويضعه في محله، ومن ليس بأهل فقد يضيعه، وهو الغالب أو يكون حاملا له على طلب نوعه، وهو النادر، فمن ثم اختلف الصوفية يف بذل علمهم لغير أهله، فمن قائل: لا يبذل إلا لأهله، وهو مذهب الثوري وغيره، ومن قائل يبذل لأهله وغير أهله، والعلم أحمى جانبا من أن يصل إلى غير أهله، وهو مذهب الجنيد رحمه الله إذ قيل له كم تنادي على الله بين يدي العامة، فقال:«لكني أنادي على العامة بين يدي الله» انتهى. يعني أنه يذكر لهم ما يردهم إليه، فتتضح الحجة لقوم وتقوم على آخرين. والحق اختلاف الحكم باختلاف النسب والأنواع، والله أعلم.

    قاعدة 16

    وحدة الاستحقاق مستفادة من شاهد الحال، وقد يشتبه الأمر فيكون التمسك بالحذر أولى لعارض الحال، وقد يتجاذب الأمر من يستحقه ومن لا، فيكون المنع لأحد الطرفين دون الآخر، وقد أشار سهل لهذا الأصل بقوله:«إذا كان بعد المائتين فمن كان عنده شيء من كلامنا فليدفنه فإنه يصير زهد الناس في كلامهم، ومعبودهم بطونهم». وعدّد أشياء تقضي بفساد الأمر حتى يحرم بثه لحمله على غير ما قصد له، ويكون معلمه كبائع السيف من قاطع الطريق.
    وهذا حال الكثير من الناس في الوقت، واتخذوا علمهم الرقائق والحقائق سلما لأمور لاستهواء قلوب العامة، وأخذ أموال الظلمة، واحتقار المساكين، والتمكن من محرمات بينة وبدع ظاهرة، حتى إن بعضهم خرج من الملة وقبل سنة الجهال، ذلك بادعاء الإرث والاختصاص في الفن، نسأل الله السلامة بمنه.

    قاعدة 17

    في كل علم ما يخص ويعم، فليس التصوف بأولى من غيره في عمومه وخصوصه، بل يلزم بذل أحكام الله المتعلقة بالمعاملات من كل، عموما وما وراء ذلك على حسب قابله لا على قدر قائله، لحديث «حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله». وقيل للجنيد رحمه الله يسألك الرجلان عن المسألة الواحدة فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا فقال:«الجواب على قدر السائل» قال عليه السلام:«أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم».

    قاعدة 18

    اعتبار المهم وتقديمه أبدا شأن الصديقين في كل شيء، فكل من طلب من علوم القوم رقيقها قبل علمه بجملة الأحكام العبودية منها وعدل عن جلي الأحكام إلى غامضها فهو مخدوع بهواه، لا سيما إن لم يحكم الظواهر الفقهية للعبادات، ويحقق الفارق بين البدعة والسنة في الأحوال، ويطالب نفسه بالتحلي قبل التجلي، أو يدعي لها ذلك، ولله در سري رضي الله عنه حيث قال:«من عرف الله عاش، ومن مال إلى الدنيا طاش، والأحمق يغدو ويروح في لاش، والعاقل عن محبوبه فتاش». وفي الحكم "تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب". والله أعلم.

    قاعدة 19

    اعتبار النسب في الموانع يقضي بتخصيص الحكم عن عمومه، ومن ذلك وجود الغيرة على علوم القوم من الإنكار، وحماية عقول العوام من التعلق بما يخص منها حامل على وجود القصد بتخصيصها، هذا مع كثرة ما يخص منها، ومداخل الغلط فيه علما أو عملا، أو دعوى أو غير ذلك، فافهم. وأعط كلّ ذي حكم حقه، فالأعمال للعامة والأحوال للمريدين والفوائد للعابدين والحقائق للعارفين والعبارات قوت لعائلة المستمعين وليس لك إلا ما أنت له آكل، فافهم.

    قاعدة 20
    الاشتراك في الأصل يقضي بالاشتراك في الحكم، والفقه والتصوف شقيقان في الدلالة على أحكام الله تعالى وحقوقه، فلهما حكم الأصل الواحد في الكمال والنقص، إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر في مدلوله. وقد صح أن العمل شرط كمال العلم، فيهما وفي غيرهما، ولا شرط صحة فيه، وقد صح أن العمل شرط كمال العلم، فيهما وفي غيرهما، لا شرط صحة فيه، إذ لا ينتفي بانتفائه بل قد يكون دونه، لأن العلم إمام العمل فهو سابق وجوده حكما وحكمة، بل لو شرط الاتصال لبطل أخذه، كما أنه لو شرط في الأمر والنهي العمل للزم ارتفاعهما بفساد الزمان، وذلك غير سائغ شرعا ولا محمود في الملة، بل قد أثبت الله العلم لمن يخشاه وما نفاه عمن لم يخشاه، واستعاذ عليه السلام من علم لا ينفع، وقال:«أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» فسماه عالما مع عدم انتفاعه. فلزم استفادة العلم من كل محق فيه محقق له ليس ضرر علمه في وجه إلقائه كعدم اتصافه، فافهم.

    قاعدة 21

    الأغلب في الظهور لازم في الاستظهار بما يلازمه، وقد عرف أن التصوف لا يعرف إلا مع العمل به فالاستظهار به دون عمل تدليس، وإن كان العمل شرط كماله، وقد قيل:«العلم بالعمل فإن وجده وإلا ارتحل». أعاذنا الله من علم بلا عمل آمين.

    قاعدة 22

    لا يصلح العمل بالشيء إلا بعد معرفة حكمه ووجهه، فقول القائل لا أتعلم حتى أعمل كقوله لا أتداوى حتى تذهب علته، فهو لا يتداوى ولا تذهب علته، ولكن العلم ثم الهمل ثم النشر ثم الإجادة، وبالله التوفيق.

    قاعدة 23
    طلب الشيء من وجهه وقصده من مظانه أقرب لتحصيله، وقد تبث أنّ دقائق علوم الصوفية من ح الهية، ومواهب اختصاصية، لا تنال بمعتاد الطلب فلزم مراعاة وجه ذلك وهو ثلاثة:
    أولها : العمل بما علم قدر الاستطاعة.
    الثاني : اللجأ إلى الله في الفتح على قدر الهمة.
    الثالث : إطلاق النظر في المعاني حال الرجوع لأصل السنة ليجري الفهم وينتفي الخطأ ويتيسر الفتح.
    وقد أشار الجنيد رحمه الله لذلك بقوله:«ما أخذنا التصوف عن القيل والقال والمراء والجدال، وإنما أخذناه عن الجوع والسهر وملازمة الأعمال». أو كما قال: وعنه عليه الصلاة والسلام:« من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم». وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه:«إذا اعتقدت النفوس ترك الآثام جالت في الملكوت، ورجعت إلى صاحبها بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علما» انتهى.

    قاعدة 24
    ما ظهرت حقيقة في الوجود إلا قوبلت بدعوى مثلها، وإدخال ما ليس فيها منها عليها ووجود تكذيبها، كل ذلك ليظهر فضل الاستئثار بها وتتبين حقيقتها بانتفاء معارضها، «فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ» وللوارث نسبة من الموروث، وأشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل. إنما يبتلي الرجل على قدر دينه فمن ثم كان أهل هذا الطريق مبتلين بتسليط الخلق أولا وبإكرامهم وسطا وبهما آخرا. قيل لئلا يفوتهم الشكر على المدح ولا الصبر على الذم فمن أراده فليوطن نفسه على الشدة، «إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا»، « وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهْوَ حَسْـبُهُ». فافهم.

    قاعدة 25

    لا علم إلا بتعلم عن الشارع، أو من ناب مَنابَه فيما أتى به، إذ قال عليه السلام:«إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن طلب الخير يؤته، ومن يتق الشر يوقه». وما تفيده التقوى إنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع العقول، ثم هو منقسم لما يدخل تحت دائرة الأحكام، ومنه لا يدخل تحت العبارة، وإن كان مماتنا له الإشارة، ومنه ما لا تفهمه الضمائر، وإن أشارت إليه الحقائق، مع وضوحه عند مشاهده وتحقيقه عند متلقيه، وقولنا فيه فهم تجوز ما لإثبات أصله لا غير، فاعرف ما أشرنا إليه، وبالله التوفيق.

    قاعدة 26
    حكم الفقه عام في العموم لأن مقصده إقامة رسم الدين، ورفع مناره، وإظهار كلمته. وحكم التصوف خاص في الخصوص، لأنه معاملة بين العبد وربّه من غير زائد على ذلك. فمن ثمّ صح إنكار الفقيه على الصوفي ولا يصح إنكار الصوفي على الفقيه، ولزم الرجوع من التصوف إلى الفقه، والاكتفاء به دونه، ولم يكف التصوف عن الفقه، بل لا يصح دونه، ولا يجوز الرجوع منه إليه إلا به إن كان أعلى منه مرتبة فهو أسلم وأعم منه مصلحة.
    ولذلك قيل:«كن فقيها صوفيا ولا تكن صوفيا فقيها». وصوفي الفقهاء أكمل من فقيه الصوفية وأسلم، لأن صوفي الفقهاء قد تحقق بالتصوف حالا وعملا وذوقا. بخلاف فقيه الصوفية فإنّه المتمكن من علمه وحاله، ولا يتم له ذلك إلا بفقه صحيح وذوق صريح، لا يصح له أحدهما دون الآخر، كالطب الذي لا يكتفي علمه عن التجربة ولا العكس. فافهم.

    قاعدة 27

    الاختلاف في الحكم الواحد تفيا وإثباتا إن ظهر ابتناء أحدهما على أصل لا يتم الاحتجاج به فهو فاسد، وإن أدّى إلى محال فهو باطل، بخلاف ما ظهر ابتناؤه على أصل يتم الاحتجاج به، ولا تنـزع الحجة من يد مخالفة حيث يكون الكل صحيحا، ومن ثمّ نفرق بين خلاف واختلاف، فنكفر من آل قوله لمحال في معقول العقائد ونبدع من آل به لذلك في منقولها إن لزم القول بالملازم. وإلا نظر في شبهته فنجري له حكمها على خلاف بين العلماء في لازم القول، ولا نكفر ولا نبدع من لازم قوله غير محال إذ لا نجزم بفساد أصله مع احتماله، وبهذا الوجه يظهر قبول خلاف أهل السنة بينهم مع ردهم للغير عموما. وهو جار في باب الأحكام الشرعية في باب الرد والقبول فتأمل ذلك تجده. وبالله التوفيق.

    قاعدة 28

    لكلّ شيء وجه، فطالب العلم في بدايته شرطه الاستماع والقبول، ثم التصور والتفهم، ثم التعليل والاستدلال، ثم العمل والنشر، ومتى قدم رتبة عن محلها حرم الوصول لحقيقة العلم من وجهها، فعالم بغير تحصيل ضُحكة، ومحصّل دون تصوير لا عبرة به، وصورة لا يحصنها الفهم لا يفيدها غيره، وعلم عري عن الحجة لا ينشرح به الصدر، وما لم ينتج فهو عقيم، والمذاكرة حياته لكن بشرط الإنصاف والتواضع وهو قبول الحق لحسن الخلق ومتى كثر العدد انتفيا، فاقتصر ولا تنتصر، واطلب ولا تقصر، وبالله التوفيق.

    قاعدة 29

    إحكام وجه الطلب معين على تحصيل المطلوب، ومن ثم كان حسن السؤال نصف العلم، إذ جواب السائل على قدر تهذيب المسائل. وقد قال ابن العريف رحمه الله:«لا بد لكلّ طالب علم حقيقي من ثلاثة أشياء:
    أحدهما : معرفة الإنصاف ولزومه بالأوصاف.
    الثاني : تحرير وجه السؤال وتجريده من جهات عموم الإشكال.
    الثالث : تحقيق الفرق بين ا لخلاف والاختلاف».
    قلت : فما رجع لأصل واحد فاختلاف، يكون حكم الله في كل ما أدّاه إليه اجتهاده، وما رجع لأصلين يتبين بطلان أحدهما عند تحقيق النظر فخلاف والله أعلم.

    قاعدة 30

    التعاون على الشيء ميسّر لطلبه، ومسهل لمشاقه عل لنفس وتعبه، فلذلك ألفته النفوس، حتى أمر به على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. فلزم مراعاة الأول في كلّ شيء لا الثاني، ومنه قول سيدي أبي عبد الله بن عياد رحمه الله تعالى:«أوصيكم بوصية لا يعقلها إلا من عقل وجرب، ولا يهملها إلا من غفل فحجب وهي : أن لا تأخذوا في هذا العلم مع متكبر، ولا صاحب بدعة ولا مقلد. فأما الكبر فطابع يمنع من فهم الآيات والعبر، والبدعة توقع في البلايا الكبر، والتقليد يمنع من بلوغ الوطر ونيل الظفر»، قال : «ولا تجعلوا لأحد من أخل الظاهر حجة على أهل الباطن».
    قلت بل يحثون على أن يجعلوا أهل الظاهر حجة لهم لا عليهم، إذ كل باطن مجرد عن الظاهر باطل، والحقيقة ما عقد بالشريعة، فافهم.

    قاعدة 31

    الفقه مقصود لإثبات الحكم في العموم، فمداره على إثبات ما يسقط به الحرج، والتصوف مرصده طلب الكمال. ومرجعه لتحقيق الأكمل حكما وحكمة والأصول شرط في النفي والإثبات فمدارها على التحقيق. وقد علم كلّ أناس مشربهم، فافهم.


      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أكتوبر 21, 2018 12:36 am